مركز الثقافة والمعارف القرآنية
31
علوم القرآن عند المفسرين
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، « 1 » ، فهذه أربعة أسماء « 2 » . قال ابن عربي : « واعلم أن اللّه أنزل هذا القرآن حروفا منظومة من اثنتين إلى خمسة أحرف متصلة ومفردة ، وجعله كلمات وآيات وسورا ونورا وهدى وضياء وشفاء ورحمة وذكرا وعربيا ومبينا وحقا وكتابا ومحكما ومتشابها ومفصلا ، ولكل اسم ونعت من هذه الأسماء معنى ليس للآخر ، وكله كلام اللّه ، ولما كان جامعا لهذه الحقائق وأمثالها استحق اسم القرآن ، فإنه ما سمي قرآنا إلا لحقيقة الجمعيّة التي فيه ، فإنه يجمع ما أخبر الحق به عن نفسه ، وما أخبر به عن مخلوقاته وعباده مما حكاه عنهم ، فالقرآن هو الذي له صفة الجمع ، من قريت الماء في الحوض إذا جمعته ، وفي الجمع عين الفرقان ، إذ الجمع دليل الكثرة ، والكثرة آحاد ، فهو عين الافتراق من عين الجمع ، فهو الفرقان القرآن ، فلنذكر مراتب بعض نعوته لتعلم منزلته . فمن ذلك كونه حروفا ، والمفهوم من هذا الاسم أمران : الواحد المسمى قولا وكلاما ولفظا ، والأمر الآخر يسمى كتابا ورقما وخطا ، والقرآن يخط فله حروف الرقم ، وينطق به فله حروف اللفظ ، فلما ذا يرجع كونه حروفا منطوقا بها ؟ هل لكلام اللّه الذي هو صفته أو هل للمترجم عنه ؟ فأعلم أن اللّه قد أخبرنا نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أنه سبحانه يتجلى في القيامة في صور مختلفة فيعرف وينكر ، ومن كان حقيقته تقبل التجلي في الصور ، فلا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماة كلام اللّه لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله ، فكما نقول : تجلى في صورة كما يليق بجلاله ، كذلك نقول : تكلم بصوت وحرف كما يليق بجلاله ، ونحملها محمل الفرح والضحك والعين والقدم واليد واليمين وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنّة ، مما يجب الإيمان به على المعنى المعقول من غير كيفية ولا تشبيه ، فإنه يقول : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فنفى أن يماثل مع عقل المعنى وجهل النسبة ، فإذا انتظمت الحروف سميت كلمة ، وإذا انتظمت الكلمات سميت آية ، وإذا انتظمت الآيات سميت سورة ، فلما وصف نفسه بأن له نفسا كما يليق بجلاله ، ووصف نفسه بالصوت والقول ،
--> ( 1 ) سورة الزخرف : الآية 44 . ( 2 ) مجمع البيان ج 1 ص 82 .